نخبة من الأكاديميين

314

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

ب - أما النمط الثاني : فهو الذي غلب في عصر التنظيمات ( 1839 م - 1876 م ) وظهر أيضًا بين صفوف العلماء ، اتجاه لتطبيق قاعدة المساواة بين المسلمين وغيرهم . إذن هذا النمط من المعارضة اختلفت قضيته عن قضية النمط الأول . وبالنظر إلى هذين النمطين من المعارضة ومقارنة برؤية السلاطين وصفوة الإصلاح - يمكن القول : إن هذه كانت معارضات للإصلاح وليس للنظام العثماني القائم . ولقد نبعت من الخلافات حول الهدف وحول تكييف الوسيلة ، وهو الاختلاف الذي وقع في صميم الجدل الداخلي الخاص بحركة الإصلاح العثماني ، فإذا كان مصلحو التنظيمات قد افترضوا أن الإصلاحات ( على النمط الغربي ) التي تحوي ضمنياً فكرة أن العلمنة للحياة العامة هي السبيل لإنقاذ الإمبراطورية ، ومن ثم ضغطوا بكل الطرق لتحقيق أهدافها بالرغم من معارضة الشعوب التي يحكمونها ، فإن هذه المعارضة سواء منها العنيفة في البداية أو السلبية بعد ذلك - انطلقت من أنه إذا كان الإنقاذ لن يتحقق إلا بالتضحية بالشريعة فهو لا يصح لأنه يعني التخلي عن أمل الخلاص نهائيًا ؛ أي رأوا أن المصلحين إنما يدمرون الجوهر والأساس في سبيل الحفاظ على الشكل والمظهر . هذا ، وتجدر الإشارة إلى أنه لم تكن كل طبقة العلماء ضد الإصلاح فنجد أن بعض كبار العلماء طالبوا بإصلاح القوات العثمانية المسلحة عن طريق تبني العلوم والتدريب العسكري الغربي واستخدام خبراء ومرشدين أجانب ، ودافعوا عن نظريتهم بأدلة من الشريعة الإسلامية والتاريخ الإسلامي وبينوا أن الجهاد ضد الكفار هو من واجبات المؤمن ، وأن تقوية الجيش هو واجب ديني ، وضرورة أن يستجيب الاجتهاد لظروف الدولة لأن الشريعة لا تضع عقبات أمام خدمة الإسلام . ومع ذلك أدت المعارضة إلى فشل الإصلاحات في تحقيق أهدافها وفشلت أيضًا في إحياء القوة الإسلامية . فبالرغم من استناد هذه المعارضة إلى رفض البدع لحماية الإسلام فإن رفضها للإصلاحات على هذا النحو - كان رفضًا لشكليات وليس حفاظًا على الإسلام في جوهره ، فلم تكن هذه المعارضة تنفيذًا لما يجب أن يكون عليه الدور الحقيقي للعلماء في فترة أزمة الأمة ، خاصة في مرحلة النقل المادي عن الغرب الذي تسربت معه الأفكار والمؤسسات الغربية . ففي هذه المرحلة وكما يقول البعض - تحول دور العلماء ( الإفتاء ) تحت الضغط أو المصلحة - إلى السلبية بمعنى السكوت أو التكيف مع اتجاه المصلحين بدلًا من تقديم بديل يحفظ للإسلام دوره الحقيقي في المجتمع ، ولم تتقدم هذه المجموعة لملء الفراغ الموجود وتعبئة القاعدة بصورة إيجابية في مواجهة صفوة البيروقراطية أو من سموا بالمصلحين الليبراليين ) . أما الشعب المسلم فلقد كان غير مهتم أو معاد للتغيير وذلك على أساس أن ما تتضمنه الإصلاحات من تغيير كان يبدو له بصورة انتصار للعدو المسيحي الغربي على الإسلام كما تبدو مفروضة من أوروبا وبتشجيع منها وبتنفيذ من رجالها . وبالنظر إلى كل ما سبق وعلى ضوء خصائص العصر ذاته يصبح من الضروري والمهم البحث